أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
458
شرح مقامات الحريري
[ قباح الوجوه ] ونذكر على قوله : « أنا في العالم مثلة » ، فصلا في ذكر قباح الوجوه من العلماء وغيرهم . فمنهم الجاحظ ، وأراد المتوكل أن يعلّم بنيه الثلاثة ولاة عهده ، فأدخل عليهم ، فارتاعوا من قبح وجهه ، فأخرج عنهم بعنف . وحكى المسعوديّ : أنّ الجاحظ قال : ذكرت للمتوكّل لتعليم بعض ولده ، فلما رآني استبشع منظري ، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني . وقال الحمدونيّ : [ الكامل ] لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا * لرأيته في دون قبح الجاحظ رجل ينوب عن الجحيم بوجهه * وهو العدوّ لكلّ عين لاحظ قال الأصمعيّ رحمه اللّه : دخلت يوما على جعفر بن يحيى ، فقال لي : هل لك يا أصمعيّ من زوجة ؟ قلت : لا ، قال : فجارية ؟ قلت : للمهنة ، قال : فهل لك أن أهب لك جارية نظيفة ؟ ، قلت : إني لمحتاج إلى ذلك . فأمر بجارية فأخرجت وهي في غاية الحسن والجمال والهيئة والظّرف ، فقال لها : قد وهبتك لهذا ، وقال لي : خذ هذه ، فشكرته ، وبكت الجارية ، وقالت : يا سيّدي ، أتدفعني لهذا الشيخ مع ما أرى من سماحتك وقبح منظره ! وجزعت جزعا شديدا ، فقال لي : يا أصمعيّ ، هل لك أن أعوّضك منها ألف دينار ؟ فقلت : ما أكره ذلك ، فأمر لي بها ، ودخلت الجارية ، فقال لي : يا أصمعيّ ، أنكرت عليها شيئا ، فأردت عقوبتها بك ، ثم رحمتها منك ، فقلت : أيّها الأمير ، أفلا أعلمتني قبل ذلك ، فإنّي لم آتك حتى سرّحت لحيتي ، وأصلحت وجهي وعمّتي ، فلو عرفت الخبر لسرت على هيئتي وخلقتي ، فو اللّه لو رأتني كذلك ما عاودت شيئا تنكره أبدا . وما ضرّ من ذكرنا قبحهم مع العلم الذي زيّنهم اللّه به ، وكذا ينبغي لمن خلق قبيح الصورة أن يستعمل لها الأخلاق الحسان ، والأفعال الحسان ، لئلّا يجمع بين قبيحين . كان الأويقص المخزوميّ أقبح الناس خلقة ، وما روي مثله في العفاف والزهد . وكان قاضي مكة ، فقال يوما لجلسائه : قالت لي أمّي : يا بنيّ إنك خلقت خلقة لا تصلح معها لمجالسة الفتيان في بيوت القيان ، فعليك بالدّين ، فإنّ اللّه تعالى يرفع به الخسيسة ، ويتمّ به النقيصة . فنفعني اللّه بكلامها ، فولّيت القضاء . وروي أن أمّ مالك بن أنس أوصته بمثل هذه الوصية ، حين أراد أن يتعلّم الغناء في حداثته ، فتكره وتعلّم العلم ، فذهب به حيث بلغ . وكان عطاء بن أبي رباح أعور أسود أفطس أشلّ أعرج ، ثم عمي . وأمّه سوداء